Mon18 May 2026
في كل عام، تتجدد الأسئلة في المجتمع حول زكاة الفطر: كيف تُقاس؟ وكيف تُسلَّم؟ ومن يضمن وصولها في وقتها الشرعي إلى مستحقيها؟ وفي تجربة جمعية نماء الأهلية، تبدو الإجابة أوسع من مجرد خدمة تنفيذية، إذ تحوّل مشروع زكاة الفطر لديها إلى منظومة مؤسسية متكاملة، تخدم الوطن، وتتبنى حلولاً لقضية اجتماعية تتقاطع فيها الضوابط الشرعية مع الحوكمة، والتقنية، والشراكات الحكومية، والعمل الميداني واسع النطاق.
في هذا الحوار يفتح مدير عام جمعية نماء الأهلية الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن الحميد ملف حملة "اختمها بفطرة" تحت شعار "فطرتي لمن يستحقها"، متحدثًا عن البدايات، والتحولات، والتحديات، وما الذي جعل هذه التجربة تحافظ على حضورها وثقة الناس عامًا بعد عام.. إلى التفاصيل.
البدايات.. والتجربة الممتدة
** حين يُذكر اسم "اختمها بفطرة"، يتبادر إلى الذهن أنه مشروع لإيصال زكاة الفطر إلى مستحقيها فقط.. كيف بدأت الحكاية أصلًا؟.
- بدأت الحكاية من سؤال بسيط في لفظه، عميق في معناه: كيف نعين الناس على أداء زكاة الفطر بطمأنينة، ونضمن في الوقت نفسه وصولها إلى مستحقيها في الوقت الشرعي وبالمقدار الصحيح..!
من هنا انطلقت تجربة جمعية نماء قبل أكثر من ستة عشر عامًا، ليس بوصفها عملاً موسميًا عابرًا، بل كمشروع مؤسسي يتعامل مع الزكاة باعتبارها أمانة شرعية ومسؤولية اجتماعية تحتاج إلى تنظيم وضبط وكفاءة في التنفيذ.
ومع تراكم الخبرة عامًا بعد عام تطور المشروع إلى منظومة مؤسسية متكاملة لها إجراءاتها وشركاؤها وبنيتها التقنية ومساراتها التشغيلية الواضحة.
ولا يمكن الحديث عن تطور هذه التجربة دون الإشارة إلى البيئة التنظيمية الداعمة التي وفرتها الدولة للقطاع غير الربحي؛ حيث أسهمت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في تمكين الجمعيات وتطوير أنظمتها وتعزيز حوكمتها، بما أتاح للمؤسسات الأهلية أن تعمل بكفاءة أعلى ووفق أطر تنظيمية أكثر نضجًا.
وهذا التمكين يعكس الدعم الكبير الذي يوليه خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظهما الله – للقطاع غير الربحي، بوصفه شريكًا رئيسيًا في التنمية الوطنية وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
عن المنهج والشعار
** بصراحة، البعض يسأل: لماذا أوكل جمعية، ما دام يمكنني أن أخرج الزكاة بنفسي؟.
- الأصل أن أداء زكاة الفطر عبادة ميسّرة، ومن أخرجها بنفسه على الوجه الصحيح فقد أدى ما عليه.
لكن التوكيل عبر جهة متخصصة يصبح خيارًا مهمًا حين يبحث المزكي عن مزيد من الطمأنينة في دقة المقدار، والتحقق من الاستحقاق، والانضباط في التوقيت، واتساع الوصول إلى المحتاجين في أماكن قد لا تتيسر للفرد معرفتها أو الوصول إليها بنفسه.
وفي نماء لا نطرح التوكيل بديلاً عن الناس، بل خدمةً تعينهم على أداء الفريضة بصورة أكثر تنظيمًا واطمئنانًا، من خلال منظومة تجمع بين البعد الشرعي والخبرة الميدانية والإدارة المؤسسية.
وهذا هو جوهر القيمة المضافة: أن يتحول التوكيل من إجراء بسيط إلى تجربة موثوقة تحفظ المقصد الشرعي وتخفف على المزكي عبء البحث والتنفيذ.
** من أكثر الأسئلة تداولًا في المجتمع: كيف تضمنون أن إخراج الزكاة يتفق مع الضوابط الشرعية لا وفق الاجتهادات الإدارية أو الشخصية؟.
- هذا سؤال جوهري، وهو في الحقيقة من الأسس التي بُنيت عليها التجربة منذ بدايتها.
في نماء تبدأ العملية من مرجعية شرعية واضحة تضبط جميع مراحل المشروع، من تحديد المقدار الشرعي إلى توقيت الإخراج وآلية التسليم.
ونحن نعطي مرحلة الضبط الشرعي عناية خاصة، لأنها ليست إجراءً شكليًا، بل أساسًا تُبنى عليه بقية المنظومة.
وفي الوقت نفسه، فإن الجانب الإداري لا يعمل بمعزل عن هذا الأساس، بل يأتي خادمًا له وحارسًا لتنفيذه.
فالإجراءات التنظيمية، وخطط التشغيل، والرقابة، والتوثيق، كلها مصممة لضمان أن تظل الإدارة أداةً لتحقيق الحكم الشرعي لا بديلاً عنه.
وهذه المعادلة بين المرجعية الشرعية والانضباط المؤسسي هي أحد أهم عناصر الثقة في المشروع، وهي ما جعل التجربة قادرة على الاستمرار والتطور مع المحافظة على جوهرها.
تخطيط وتوزيع للأدوار وشركاء ميدانيون
** المشروع اليوم يعمل عبر منظومة كبيرة تشمل إدارة الحشود والشركاء والإمكانات والفرق الميدانية والمتطوعين.. كيف تُدار هذه الشبكة دون ارتباك؟.
- حين يتحول المشروع إلى مسؤولية مجتمعية واسعة فإنه يحتاج إلى هندسة تشغيلية دقيقة.
ونحن نتعامل مع المشروع بوصفه سلسلة مترابطة من العمليات:
تخطيط مبكر، توزيع واضح للأدوار، إدارة للموارد، وشبكة من الشركاء الميدانيين في المحافظات والمراكز، إضافة إلى فرق تشغيلية وإدارية ومتطوعين يعملون جميعًا ضمن مسارات تنفيذية محددة.
وهذا النهج يعكس توجهًا أوسع في المملكة نحو رفع كفاءة العمل المؤسسي في القطاع غير الربحي، وهو ما تدعمه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي عبر تطوير الأنظمة والحوكمة وتمكين الجمعيات من العمل وفق نماذج تشغيلية أكثر احترافية.
ولذلك فإن ما نشهده اليوم من تطور في المشاريع الاجتماعية والخيرية هو في الحقيقة ثمرة لمنظومة وطنية متكاملة تعمل على تمكين هذا القطاع ليكون أكثر قدرة على خدمة المجتمع.
الوصول إلى المستحق.. مسؤولية لا انطباع
** لكن كيف تميّزون المستحق الحقيقي من غيره، خصوصًا مع اتساع عدد الحالات والجهات المستفيدة؟.
-الاستحقاق في نماء ليس تقديرًا عاطفيًا أو انطباعيًا، بل مسار عمل منضبط يقوم على بيانات، وبحث اجتماعي، وخبرة ميدانية، ومعايير واضحة.
لدينا قواعد بيانات للحالات، وآليات للتحقق، وشبكة من الشركاء المحليين الذين يعرفون واقع الأسر في مناطقهم، وتعمل الجمعية معهم وفق ضوابط مؤسسية تسعى إلى رفع دقة الوصول وتقليل الازدواجية والهدر.
ولهذا فنحن لا نقيس النجاح بعدد ما يخرج من المواد فقط، بل بسلامة وصول الزكاة إلى من يستحقها فعلًا، وفي الوقت المناسب، وبأعلى قدر ممكن من الدقة والكرامة.
وهذا يعكس فهمنا الأوسع لرسالة الجمعية: فالمسألة ليست مجرد إيصال مورد، بل الإسهام في نماء الحياة عبر أثر اجتماعي منظم ومسؤول.
التقنية.. جزء من الثقة لا مجرد وسيلة
** يبدو أن التقنية لم تعد عنصرًا مساعدًا فقط، بل صارت جزءًا من هوية مشروع زكاة الفطر.. كيف خدمت التقنية هذه التجربة؟.
هذا صحيح. في المراحل المتقدمة من النضج المؤسسي، لا تكون التقنية مجرد أداة داعمة، بل جزءًا من البنية الأساسية للمشروع.
في نماء أنشأنا منظومة رقمية متكاملة تدير دورة العمل كاملة، بدءًا من التوكيل عبر القنوات الرقمية، مرورًا بإدارة الموارد والمخزون والبيانات التشغيلية، وصولًا إلى التوزيع والتوثيق والمتابعة.
كما أسهم توحيد الأنظمة التشغيلية والإدارية والمالية على منصة واحدة في رفع كفاءة العمل، وربط البيانات بالعمليات والقرارات.
وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة عملية لا شكلية؛ يختصر الوقت، ويحسن جودة البيانات، ويدعم الشات الذكي والبحث الاجتماعي الذاتي، بما يعزز الاستجابة، ويرفع موثوقية الخدمة، ويخدم الإنسان بكفاءة أعلى.
وهذا النهج هو جزء من توجه استراتيجي يجعل نماء أكثر قدرة على خدمة المستفيد والمزكي والشريك بكفاءة وجودة واتساع، ويعكس توجهًا أوسع في بلادنا نحو رفع كفاءة العمل المؤسسي في القطاع غير الربحي، وهو ما تدعمه وزارة وهذا النهج هو جزء من توجه استراتيجي يجعل نماء أكثر قدرة على خدمة المستفيد والمزكي والشريك بكفاءة وجودة واتساع، ويعكس توجهًا أوسع في بلادنا نحو رفع كفاءة العمل المؤسسي في القطاع غير الربحي، وهو ما تدعمه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي عبر تطوير الأنظمة والحوكمة وتمكين الجمعيات من العمل وفق نماذج تشغيلية أكثر احترافية.
ولذلك فإن ما نشهده اليوم من تطور في المشاريع الاجتماعية والخيرية هو في الحقيقة ثمرة لمنظومة وطنية متكاملة تعمل على تمكين هذا القطاع ليكون أكثر قدرة على خدمة المجتمع.
الشراكات.. اتساع النطاق وتعظيم الأثر
** الشراكة مع منصة إحسان.. ماذا أضافت هذه الشراكة للمشروع؟.
- الشراكات النوعية، حين تُبنى على الثقة والتكامل، لا تضيف مجرد قناة جديدة، بل تُضاعف الأثر وترفع الكفاءة.
وشراكتنا مع منصة إحسان تعد مثالًا مهمًا على التكامل بين المؤسسات الخيرية والمنصات الوطنية التي أطلقتها الدولة لتعزيز العمل الخيري الرقمي.
هذه المنظومة الوطنية للعمل الخيري تعكس رؤية قيادتنا الرشيدة في تمكين القطاع غير الربحي وتطوير أدواته وتعزيز أثره المجتمعي، وهو ما أسهم في توسع نطاق المبادرات المجتمعية ورفع مستوى الثقة بها.
كما أن هذه الشراكة تعكس توجه الجمعية نحو العمل التكاملي، لا العمل المنفرد؛ فالتنمية الاجتماعية اليوم تُبنى عبر شراكات فاعلة بين الجهات، وعبر مواءمة الأدوار وتبادل القيمة.
وهذا جزء من التحول الذي نؤمن به في نماء: أن الأثر الأكبر يتحقق عندما تعمل المؤسسات ضمن منظومات وطنية متكاملة.
** بعد كل هذا الجهد، كيف تقيسون الأثر الحقيقي للمشروع؟.
- الأرقام مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.
نحن نقيس حجم الوصول، وسرعة الإنجاز، واتساع النطاق، ومستوى الالتزام بالتوقيت، وكفاءة التنفيذ، لكننا ننظر أيضًا إلى مؤشرات أعمق: مثل موثوقية التجربة، ورضا المزكي، وكرامة المستفيد، وثقة الشركاء، والقدرة على التحسين عامًا بعد عام.
فالنجاح بالنسبة لنا لا يُختصر في أن يمر الموسم بسلام، بل في أن يترك المشروع أثرًا اجتماعيًا وإنسانيًا مستدامًا، وأن يعزز الثقة المجتمعية في العمل المؤسسي، وأن يقدم نموذجًا حيًا على أن القطاع غير الربحي قادر على إدارة مبادراته بكفاءة وجودة ومسؤولية.
وهذا المعنى يرتبط مباشرة بغاية نماء: نماء الحياة؛ لأننا لا نقيس الأثر بما خرج فقط، بل بما نما من ثقة، وما تحقق من كرامة، وما تعزز من تكافل في المجتمع.
ولا شك أن هذا التوجه نحو قياس الأثر وتعزيز الكفاءة يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أكدت على تعظيم أثر القطاع غير الربحي ورفع مساهمته في التنمية الوطنية.
ومن هذا المنطلق تعمل نماء على تطوير أدواتها المؤسسية وقياس أثر مبادراتها بصورة أكثر منهجية، بما ينسجم مع التوجه الوطني نحو قطاع غير ربحي أكثر فاعلية واستدامة.
لأن المشروع أيضًا قضية وعي.. وخيار مستقبلي
**من يتابع الحملة يلاحظ أنها تبني خطابًا توعويًا وإعلاميًا مواكبًا. لماذا هذا البعد؟
- لأن زكاة الفطر ليست مشروعًا تنفيذيًا فقط، بل فريضة شرعية وقضية وعي وثقة وتثقيف مجتمعي كذلك.
الناس لديهم أسئلة مشروعة: كيف تُخرج الزكاة؟ من يستحقها؟ متى تُسلّم؟ ما الذي يضمن وصولها؟ ولذلك فنحن لا نرى الإعلام مجرد تغطية للحظة النهائية، بل جزءًا من رحلة المشروع، يشرح للناس، ويجيب عن تساؤلاتهم، ويعزز وعيهم، ويرسخ الثقة في المنهج الذي تُدار به هذه الفريضة.
ومن منظور مؤسسي، فإن الاتصال الفعال ليس هامشًا في المشروع، بل أحد مساراته الأساسية؛ لأنه يسهم في وضوح الرسالة، وإدارة التوقعات، وتعزيز المشاركة، وبناء الثقة العامة.
وهذا يتناغم مع توجه الجمعية نحو خطاب أكثر نضجًا وعمقًا، يعبر عن تحولها الاستراتيجي ويقرب رسالتها إلى مختلف فئات المجتمع.
**بعد أكثر من 16 عامًا، ماذا بقي في الأفق؟ وهل ما زال هناك ما يمكن تطويره؟
- أي مشروع يظن أنه اكتمل يتوقف عن النمو.
في جمعية نماء ننظر إلى هذه التجربة بوصفها مشروعًا حيًا يتطور باستمرار، ونسعى إلى مزيد من التكامل الرقمي، وتعميق كفاءة الوصول، وتوسيع الشراكات النوعية، ورفع جودة تجربة المزكي والمستفيد، وتطوير أدوات القياس والتوثيق والتحسين.
طموحنا ليس فقط المحافظة على الثقة التي بُنيت عبر السنوات، بل تعميقها وتوسيعها، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى نموذج أكثر نضجًا واستدامة.
ونحن نرى أنفسنا جزءًا من المسار الوطني الذي تقوده قيادة المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظهما الله – في تمكين القطاع غير الربحي وتعظيم أثره المجتمعي.
ولهذا تسعى نماء إلى أن تكون إحدى المؤسسات التي تسهم بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، عبر تقديم مبادرات اجتماعية مؤسسية تعزز التكافل والتنمية المجتمعية، وتجسد غاية الجمعية الكبرى: نماء الحياة.
------------------------
نشر الحوار في صحيفة المدينة يوم الثلاثاء 17 مارس 2026م
https://www.al-madina.com/article/980815/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA/%D9%81%D9%8A%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B2%D9%83%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A7
نستخدم الكوكيز لتحسين تجربتك وتحليل أداء الموقع وقياس الإحالات الإعلانية وفق سياسة الخصوصية.